مآدب الزمان في مولد حبيب الرحمن

مواضيع مفضلة

مآدب الزمان في مولد حبيب الرحمن



في عصر صدر الإسلام، كان الإحتفال بالمناسبات الدينية قاصراً على تلاوة القرآن والإكثار من أعمال البر، وعندما إتسعت الدولة الإسلامية، وخالط المسلمون الفرس والرومان، كان عليهم أن يسايروا أساليب الحضارة في تلك الممالك والبلاد التي فتحوها، فقلدوهم في عاداتهم التي لا تتعارض مع الأخلاق العربية الكريمة ولا ينهي عنها الدين الحنيف..

وكانت البادرة من الامويين ثم تبعهم العباسيون الذين يعدوا قدوة في إرساء قواعد أبهة الملك.. وهم أول من احتفل بمولد النبي، وقد اشتهر عن (مظفر الدين) صاحب اربل في العصر العباسي: عنايته الفائقة بالاحتفالات الدينية، التي كانت تبلغ أبهتها في الإحتفال بمولد رسولنا الكريم، ثم حذا حذوه السلطان (أبوحمو موسى) صاحب تلمسان بالمغرب
وعبر مختلف عصور الدول الإسلامية، عرفت مصر عدداً كبيراً من الأعياد والاحتفالات، التي إرتبطت بعقائد المصريين ودياناتهم، فقد كان لكل من المسلمين والنصارى واليهود أعيادهم ومواسمهم، التي إتخذت الإحتفالات بها ـ مظاهرة محددة ـ إرتبطت بعادات وتقاليد الشعب المصري.
ففي عصر الدولة الفاطمية، التي نشأت حاملة لواء زعامة الإسلام والخلافةـ في ظروف سياسية ودينية خاصة ـ كان الفاطميون حريصين على إعادة صياغة عقل الشعب وروحه وحياته العامة والخاصة، وفقا لتوجهاتهم ورسومهم، فنرى الحياة الإجتماعية المصرية في ذلك العصر، إتخذت مظاهر تألقت بألوان من البذخ والترف والفخامة، قل أن نجدها في عصر آخر من عصور مصر الإسلامية. وكانت هذه الحياة ـ مرآة للدولة الفاطمية ـ طبعت بمنهاجها السياسي والديني والفكري، وعلى الرغم من تحفظ الشعب المصري في مشايعة الدولة الجديدة في غاياتها المذهبية، فقد إستمتع بالفيض الفاطمي وروعته في مواكب الخلافة، ورسومها الباهرة، ومآدبها الشهيرة، وعطاياها المأثورة، ومازال كثير من آثار تلك الرسوم والاحتفالات في أعيادنا وتقاليدنا الدينية المعاصرة.
وقد إنتهت إلينا صور ومشاهد للمواكب الإحتفالية والمواسم الفاطمية، بأقلام مؤرخين معاصرين لذلك الزمان منهم: إبن زولاق والمسبحي وابن الطوير وابن المأمون، وكان الإحتفال بالمولد النبوي من أبرز مشاهد الخلافة الفاطمية، فيذكر المؤرخ العلامة (المقريزي) عن إبن المأمون: (.. واستهل ربيع الأول، ونبدأ بما شرف به الشهر المذكور، وهو ذكر مولد سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم، لثلاث عشرة منه، اطلق ما هو برسم الصدقات من مال النجاوي خاصة ستة آلاف درهم، ومن الأصناف من دار الفطرة أربعون صينية، ومن الخزائن برسم المتولين والسدنة للمشاهد الشريفة بين الجبل والقرافة، التي فيها أعضاء آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، سكر ولوز وعسل وشيرج لكل مشهد، وما يتولى تفرقته سنا الملك ابن ميسر أربعمائة رطل حلاوة وألف رطل خبز).
مآدب الفاطمية
وكانت المآدب الفاطمية والأسمطة الرسمية والشعبية، من الأحداث الشهيرة في ذلك العصر، كما كان الخلفاء الفاطميون يشهدون هذه الاحتفالات والأعياد بإحدى المناظر الملكية، ويحتشد العامة لمشاهدة الخليفة عند ظهوره بالمنظره. أو لرؤية موكب قاضي القضاه، والانعامات والهدايا تشمل كل الأمراء وأرباب الرتب وأصحاب الدواوين وأرباب السيوف والأقلام، والخطباء والقراء وسدنة المشاهد والأضرحة. وقد أشارالمقريزي إلى خمسة موالد أخرى، كان الفاطميون حريصون على الإحتفاء بها، هي: مولد الإمام الحسين (5 ربيع الأول) ومولد السيدة فاطمة الزهراء (20 جمادي الاخرة) ومولد الإمام علي (13 رجب) ومولد الإمام الحسن (15 رمضان) ثم مولد الإمام الحاضر.
وفي عصر الدولة الايوبية، أبطلت كل مظاهر الاحتفالات الدينية، فقد كان السلطان صلاح الدين يوسف يهدف إلى توطيد أركان دولته، لمواجهة ما يتهددها من أخطار خارجية وإقتلاع المذهب الشيعي، بمحو كافة الظواهر الإجتماعية التي ميزت العصر الفاطمي.
وفي أوائل عصر سلاطين المماليك، إتخذ الإحتفال بمولد النبي من العظمة والابهار، ما يتناسب مع ما شهده المجتمع المصري من رفاهية، وكان السلاطين حريصين على مشاركة رعاياهم الاحتفال بهذه المناسبة.. ويروي (السخاوي) ما شهده في عهد الظاهر برقوق، عندما حضر الاحتفال الرسمي بالقلعة، فيقول: (.. فرأيت ما هالني، وأظن ما أنفق في تلك الليلة على القراء الحاضرين وغيرهم نحو عشرة آلاف مثقاف من الذهب العين، ما بين خلع ومطعوم ومشروب وغير ذلك، بحيث لم ينزل واحد منهم إلا بنحو عشرين خلعة من السلطان والأمراء).
وتميز عصر السلطان الاشرف قايتباي، بما لم يسبقه إليه أحد من السلاطين، حيث أمر بصنع خيمة عظيمة (جاءت من عجائب الدنيا)!.. وقد أبدع (إبن إياس) في وصفها وتخليد ذكرها، فيقول في أخبار ربيع الأول سنة 229 هـ: ( وفي يوم الإثنين حادي عشرة، عمل السلطان (الأشرف قانصوه الغوري) المولد الشريف النبوي على العادة، ونصب الخيمة العظيمة التي صنعها الأشرف قايتباي، قيل أن مصروفها ستة وثلاثون ألف دينار، وهذه الخيمة كهيئة قاعة وفيها ثلاثة لواوين، وهذه الخيمة لا ينصبها إلا ثلاثمائة رجل من النواتيه، فنصبها بالحوس، وفي وسطها قبة على أربعة أعمدة عالية، لم يعمل في الدنيا قط لها نظير، وهي من قماش ملون، ونصب الشربدارية في الحوش أحواض جلد ممتلئة بالماء الحلو، وعلقوا شوكات بالكيزان الفاخرة، وزينوا بالأواني الصيني والطاسات النحاس، وأوسعوا في زينة الشرابخاناه أكثر من كل سنة، ثم جلس السلطان في الخيمة، وحضر الاتابكي سودون العجمي وسائر الأمراء من المقدمين، وحضر القضاة الأربعة، وأعيان الناس من المباشرين على العادة، ثم حضر قراء البلد قاطبة والوعاظ على العادة، ثم مد السلطان السماط الحافل وأوسع في أمره، وكان ذلك اليوم مشهوداً وأبهج مما تقدم من الموالد الماضية).
وفي صباح يوم المولد، يوزع السلطان كميات من القمح على الزوايا والربط، ويترقب عامة الناس الإحتفال بالمولد النبوي (فيعملون الولائم لذلك ويزيدون في العبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم) كذلك إعتاد كثير من الناس إحياء الذكرى الكريمة في منازلهم، وتطرف بعضهم في الإحتفال، فأتوا بالمغاني وآلات الطرب وتسابقوا في اللعب بالدف والشباب، ويصدح القوالون بالقصائد والمدائح النبوية، فإذا ما إنتهى الإنشاد، تقام حلقات الذكر، في حين تطل النساء من المشربيات وأسطح المنازل لمشاهدة وقائع الاحتفالات، كذلك كانت تقام داخل المنازل إحتفالات نسائية بهذه المناسبة، حيث تلتف النساء حول إحدى الواعظات أو المتفقهات في الدين لسماع حديثها.
العثمانيون يحتلفون
ثم تبدلت الأحول في مصر العثمانية، وتواضع الإحتفال بمولد النبي، فيتحسر ابن إياس على ما كان من بهجة الأيام السالفة، فيقول عن أحداث سنة 329: (وفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول، كانت ليلة المولد النبوي، فلم يشعر به أحد من الناس، وبطل ما كان يعمل في ليلة المولد من إجتماع القضاة الأربعة والأمراء بالحوش السلطاني، والأسمطة التي كانت تعمل في ذلك اليوم، وما كان يحصل للمقرئين من الشقق والانعام، فبطل ذلك جميعة، وأشيع أن ابن عثمان لما طلع إلى القلعة وعرض الحواصل التي بها، فرأي خيمة المولد فباعها للمغاربة بأربعمائة دينار، فقطعوها قطعاً وأباعوها للناس ستائر وسفر، وكانت هذه الخيمة من جملة عجائب الدنيا، لم يعمل في الدنيا مثلها قط!.. وكانت كهيئة القاعة ولها أربعة لواوين فوقهم قبة بقمريات والكل من قماش، وكان فيها تقاصيص عجيبة وصنايع غريبة.. وكانت من جملة شعائر المملكة فاتباعت بأبخس الأثمان، ولم يعرف ابن عثمان قيمتها، وفقدتها الملوك من بعده، فحصل منه الضرر الشامل، وهذا من جملة مساوئه التي فعلها بمصر)!.
ويعود إبن إياس إلى التذكير بما كان يعمل في موالد السلطان الغوري، وهو يؤرخ لأحداث ربيع الأول من عام 429 هـ، فيقول (فكان يصرف على سماط المولد فوق عشرة آلاف دينار، وكان يحضر عنده في تلك الخيمة العظيمة، التي لم بقى يسمح الزمان بمثلها أبدا، القضاة الأربعة ومن الأمراء المقدمين أربعة وعشرون أميراً مقدم ألف، غير بقية الأمراء والعسكر وهم بالشاش والقماش، فأين ذلك النظام العظيم، كيف ذهبت أوقاته?.. فيا أسفي على تلك الأيام كأنها كانت منامات)!.
ويرحل بنا المؤرخ العظيم (عبدالرحمن الجبرتي) إلى زمن الحملة الفرنسية، يوم تقلد الشيخ خليل البكري نقابة الأشراف، في يوم الجمعة، الخامس من ربيع الأول لسنة 1213 هـ وفيه (سأل صارى عسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم، فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقف الأحوال، فلم يقبل وقال لابد من ذلك، وأعطى له ثلاثمائة ريال فرنساوية معاونة، وأمر بتعليق التعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ودبادبهم، وأسرل الطبلخانة الكبيرة إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يضربونها بطول النهار والليل بالبركة تحت داره، وهي عبارة عن طبلات كبيرة مثل طبلات النوبة التركية وعدة آلات ومزامير مختلفة الأصوات مطربة، وعملوا في الليل حراقة نفوط مختلفة وسواريخ تصعد في الهواء..).
وواقع الأمر أن حرص نابليون على إظهار إحترامه لعقيدة المصريين وشعائرهم وتقاليدهم كان جزءا من (التوظيف السياسي) للعنصر الديني من أجل إستمالة المصريين، فعقب هذا الاحتفال بيومين، كتب بونابرت إلى الجنرال مارمو يطلب منه زيارة الشيخ البكري بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي، وأشار إلى انه يجتمع برؤساء الدين في القاهرة، كما أرسل إلى الجنرال كليبر بالاسكندرية نسخة من (Courrier de L'Egypte) العدد الأول، الذي تضمن مقالاً عن الاحتفال بالمولد، ليقوم بترجمته وطبعه.
وساري عسكر يحتفل
وفي يوم الثلاثاء، الحادي عشر من ربيع الأول سنة 1214 هـ، يقول الجبرتي عن احتفال ذلك اليوم: (عمل مولد النبي بالأزبكية، ودعا الشيخ خليل البكري ساري عسكر الكبير، مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده، وضربوا ببركة الأزبكية مدافع وعملوا حراقة وسواريخ ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلاً وإسراج القناديل وإصطناع مهرجان).
ثم طلب بونابرت من الحكام الفرنسيين للمديريات، توزيع منشورات باللغة العربية على الأهالي، لإخبارهم بالإحتفال العظيم الذي أقيم بالقاهرة و(قد إستمع القائد العام لقصة المولد، ثم أقبل على الصلاة يحف به كبار المشايخ)!!.
ولم يذكر الجبرتي شيئا عن إحتفال سنة 1215 هـ، إلا أن جريدة ال (كورييه) تشير في عدد أغسطس سنة 1800 إلى مناسبة المولد النبوي، وتقول: (مهما تكن آداؤنا الدينية، فالواجب يقتضي بأن نعتبر محمداً رجلاً يسمو كثيراً فوق بقية الرجال الذين عاشوا عصره ويمتاز عليهم، وهو بفضل عبقريته ومعارفه وشجاعته أهل لإعجاب الأجيال التالية) كما عرضت الجريدة جانباً من نشأة الرسول، وموجزاً لأصول العقيدة الإسلامية.
لقد أدرك الفرنسيون ما للعقيدة من أثر في التنظيم الإجتماعي، في المجتمع المصري، فأكثروا من إستخدام الآيات القرآنية، وحرصوا على إحياء الشعائر والإحتفالات الدينية والأعياد القومية، بل إنهم شجعوا عقيدة الشعب في الكرامات، فشاركوا في الإحتفال بمولد بعض الأولياء!.
ثم جاء المستشرق البريطاني الشهير "إدوارد لين" الذي أبدع في دراسة ووصف تفاصيل الحياة اليومية المصرية في كتابه "شمائل وعادات المصريين المحدثين" على نحو لم يبلغه أحد من المستشرقين، حتى أنه أتقن لغة الحديث باللهجة المصرية.. وقد وصف لنا الاحتفالات بمولد النبي عام 1834، فيقول: "تجرى احتفالات المولد في الحي الجنوبي، الغربي من الساحة الرحبة المعروفة ببركة الأزبكية، التي تتحول في موسم الفيضانات إلى بحيرة كبيرة، حيث تنصب خيام وسرادقات للدراويش الذين يجتمعون كل ليلة للاحتفال وإقامة حلقات الذكر، ويجتمع الناس في النهار للاستماع إلى الشعراء والرواة، ومشاهدة المشعوذين والمهرجين، وقد أجبرت الغوازي على التخلي عن الرقص!.. وترى في بعض الشوارع المراجيح وباعة المأكولات والحلوى، وتكتظ المقاهي بالرواد.
وكانت الليلة الحادية عشرة من الشهر القمري، وكان القمر يشع نوراً في السماء، فيضفي على الاحتفالات روعة وبهجة.. مررت بشارع سوق البكري لأحضر جانباً من حلقات الذكر، كانت الشوارع التي مررت بها محتشدة بالجموع الغفيرة، ولم أصادف إلا القليل من النساء.. وعلقت في المكان بسوق البكري- الذي شهد تجمعاً ضخماً من الناس "ثريا" رائعة كبيرة ضمت نحو ثلاثمائة قنديل" ويمضي إدوارد لين مغرقاً في وصف أدق تفاصيل حلقات الذكر والإنشاد، ومواكب الدراويش، معرباً عن دهشته من احتشاد الأقباط لمشاهدة تلك الحلقات التي استمرت حتى أذان الفجر. وفي اليوم التالي شاهد عرض "الدوسة" المميز الذي يختص به دراويش السعدية، فقال: "توجهت في اليوم السابق لليلة المولد إلى الأزبكية قبيل الظهر، فلم أشاهد غير بعض الدراويش والشعراء والمهرجين، وقد استقطب كل منهم حلقة من المتفرجين، ثم بدأت جموع الناس تتزايد في انتظار استعراض الدوسة، الذي يقام كل عام في مثل هذا اليوم.. قصد شيخ الدراويش السعدية - الشيخ محمد المنزلاوي - مسجد الحسين، بعد أن قضى شطراً من الليلة السابقة في خلوته، مردداً بعض الصلوات والأدعية الخفية، وبعد أن أدى صلاة الجمعة، توجه في موكبه إلى دار الشيخ البكري- الذي يرأس جميع طوائف الصوفية في مصر، وتقع هذه الدار بالجهة الجنوبية لبركة الأزبكية، وفي طريقه انضمت إلى موكبه، مجموعات من الدراويش السعدية، وفدوا من قسام مختلفة بالعاصمة، وشيخ السعدية كهل أشهب اللحية، وسيم المحيا، جميل الهيئة، أبيض الوجه، وكان يلبس في هذا اليوم: بنشأ وقاووقاً أبيضين، وعمامة من الموسلين الزيتي الداكن اللون، تعبر مقدمها منحرفة قطعة من الموسلين الأبيض، وكان يركب جواداً متوسط الارتفاع والوزن، وإني أذكر ذلك لسبب يتبينه القارىء الآن، ودخل بركة الأزبكية، يتقدمه موكب عظيم من الدراويش وأتباعه.
وفي طريقه من هذا الميدان، وقف الموكب على مسافة قصيرة من منزل الشيخ البكري، حيث انبطح عدد كبير من الدراويش وغيرهم - لم أستطع أن أحصيهم عدا - انبطحوا جنباً إلى جنب، متلاصقين بقدر الإمكان، وأرجلهم ممدودة وأذرعهم تحت جباههم، وكانوا يهمسون على الدوام باسم الله، ثم جرى اثنا عشر درويشاً، حفاة أغلبهم، على ظهور رفقائهم، وكان بعضهم يضرب الباز ويصيحون: الله ثم دنا الشيخ، فتردد حصانه دقائق معدودة، قيل أن يطأ ظهر أول المنبطحين، ولكنه خطا أخيراً بالدفع والحث من الخلف، ثم مشى دون خوف ظاهر، بخطوة عالية، على ظهورهـم جميعاً، يقوده شخصان، وكان أحدهما يطأ الدراويش المنبطحين فوق أرجلهم أحياناً، والآخر فوق رءوسهم، وهتف المشاهدون في الحال بصوت ممدود: الله!
ولم يظهر علي أحد ممن داسهم الحصان أنه أصيب سوء!- بل وثب كل منهم واقفاً بعد ما مر الحصان عليه تم تبع الشيخ، ويقال إن هؤلاء والشيخ أيضاً يستعملون كلمات "أوراداً وأدعية" في اليوم السابق، حتى يمكنهم احتمال خطى الحصان دون ضرر، وإن بعضاً لم يتهيأوا كإخوانهم، اجترأوا على الانبطاح فلقوا حتفهم أو أصيبوا بأذى كبير!
ويعد هذا العمل كرامة، أحدثتها قوة غير طبيعية، منحت لكل شيخ من شيوخ السعدية بالتتابع.. ويقال أيضاً إن هذا الحصان مدرب لهذا الغرض، غير أن ذلك يعتبر من الوقائع المثيرة للدهشة، إذ إن دوس الحصان الآدميين على هذا النحو، هو عمل ينفر منه الحيوان بشدة كما هو معروف. وقد رفض شيخ السعدية الحالي عمل الدوسة عدة سنوات، وبعد توسل شديد، أبدى موافقته على أن يقوم شيخ آخر بطقوسها، والذي نجح في أدائها بالرغم من أنه كان ضريراً! وقد توفي هذا الشيخ الضرير عقب ذلك، فاستجاب شيخ السعدية إلى التماس دراويشه، وأصبح منذ ذلك الوقت، يقوم بعمل الدوسة بنفسه دائماً.. وبعد أدن قام الشيخ بهذا- العمل الفذ- دون حدوث ما يعكر صوف ذلك اليوم، ركب إلى صديقه الشيخ البكري، ودخل إلى قصره بصحبة بعض الدراويش"!
وتجدر الإشارة إلى أن الاحتفال بعمل الدوسة، قد أبطل في عهد الخديو توفيق، كما أشار "أحمد شفيق باشا" في مذكراته، والذي حدثنا عن حفلة "الأشاير" و"عملية الدواسة".. فقال.. "يجتمع في ذلك اليوم، أرباب الطرق الصوفية، بميدان باب الخلق، ويسير الموكب بأهم شوارع المدينة، بينهم جماعة من المشعوذين، منهم من يأكل الزجاج والثعابين، ومنهم من يضرب شدقيه بدبوس ذي رأس غليظ، في عنف وقسوة، بل كان بعضهم يضع حد السيف على بطنه ثم ينام فوقه حتى يطأه الشيخ بقدمه!.. وعندما يصل الموكب إلى ساحة المولد أمام صيوان البكري، يقرأ رجاله كل طريقة الفاتحة وأمامهم شيخهم، وبعد ذلك ينبطح الكثيرون على وجوهم في صف كبير، ثم يمر فوقهم شيخ السادة السعدية بحصانه، يقوده اثنان من أتباعه، وهم يعتقدون أنه سينالهم من جراء ذلك خير كثير، وكان الناس يروحون عليهم بمراوح يدوية أو بملابسهم. وقد أبطل الخديو توفيق هذه الحفلات العنيفة".
والطرق الصوفية تختفل
ومنذ عهد الأسرة العلوية، أصبح عبء تنظيم احتفالات المولد مسئولية نقيب الأشراف، الذي يتلقى دعماً من الخزانة العامة للمساهمة في النفقات، كذلك كانت محافظة القاهرة وإدارتها تخصص أطناناً هائلة من اللحوم والأرز والزبد والشاي، أيضاً إدارة الممتلكات الخديوية "الخاصة الخديوية" كانت ترسل أطناناً من السكر، وتوفر أدوات المطابخ.. وأصبح بيت السادة البكرية وساحته الشهيرة يشرف برعاية الاحتفال الرسمي بالمولد، وغدا بديلاً لاحتفالات "الحوش السلطاني" بالقلعة، وعنهم يقول علي باشا مبارك في خططه: ".. وللسادة البكرية في ظل الدولة المحمدية العلوية من العناية ما يتحدث بزائد شرفه الركبان، ويفتخر به هذا الزمان، لاسيما في عهد الحضرة الفخيمية وعصر الطلعة المهيبة التوفيقية، فإنه وصل فيها الاحتفال بأمر المولد النبوي الشريف إلى حده الأعلى. وذلك أنه في العشرة الأخيرة من شهر صفر الخير من كل عام، تصنع بمنزلهم مأدبة فاخرة، يدعى إليها جميع مشايخ الطرق والأضرحة والتكايا، والوجوه والأعيان والذوات، فتدخل أرباب الطرق بالطبول والبيارق رافعين أصواتهم بالذكر والصلاة على رسول الله، ثم يعين لكل واحد من السادة الصوفية ما يخصه من ليالي المولد الشريف لإحيائه".
في عهد الملك فؤاد، انتقلت ساحة الاحتفال بالمولد إلى منطقة العباسية، حيث تولت وزارة الأوقاف وبعض الهيئات الحكومية إقامة سرادقات خاصة طول فترة الاحتفالات، يرتادها الزائرون من كل صوت يستمتعون بأطايب الطعام والمشروبات، وبسماع أشهر المقرئين والخطباء والمنشدين.
أما في عهد الملك فاروق، وبالتحديد عام 1945 فكان الاحتفال بالمولد في صحراء قايتباي أو ما عليها "ترب الغفير" ويصف شاهد عيان هو "حسن السندوبي " وقائع الاحتفال فيقول: ".. قبيل الظهر بساعة، بينما هذا الجمع الحاشد في الانتظار، إذ تعالت هتافات الجماهير المحتشدة على قوارع الطرق المؤدية إلى ساحة المولد. بحياة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول، وحياة مصر الخالدة، فكان ذلك إيذاناً بوصول الموكب الملكي الفخم، وقد أقبل جلالته بوجهه المشرق على هذه الجموع، مشيراً بيده الكريمة إشارة التحية والسلام.. وبعد أن صدحت الموسيقى بالسلام الملكي، وقف فاروق وحاشيته يستعرض بعض فرق الجيش.. ثم بارح جلالته السرادق الملكي، قاصداً تشريف سرادق السادة البكرية، وما إن أشرف عليه، حتى نهض حضرة صاحب السماحة السيد أحمد البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية، وحوله جمع من كبار المشايخ، لاستقبال جلالته بما يليق بمقامه الكريم ولما شرف جلالته- حفظه الله- صدر المجلس الخاص قام حضرة صاحب الفضيلة السيد محمد الببلاوي نقيب الأشراف وأخذ في إلقاء قيمة المولد الشريف.
لقد توارثت مصر عبر عصور تاريخية ومتصلة الاحتفال بالمولد النبوي من خلال مراسم وطقوس شعبية شديدة الخصوصية، حتى أصبحت هذه الاحتفالات جزءاً من وجدان الشعب المصري حتى يومنا هذا

المشاركة على واتساب متوفرة فقط في الهواتف