التعليم... والأمن القومي

مواضيع مفضلة

التعليم... والأمن القومي


مجلس الأمن القومي في تركيا أمر بإقفال مدارس تحفيظ القرآن لأنها تهدد الأمن القومي. حركة طالبان في أفغانستان أنجزت مهمة إقفال مدارس البنات وضمنت بالتالي الحفاظ على الأمن القومي. مدارس البنات في الجزائر هي أهداف "عسكرية" للإرهابين، والمدارس الدينية كانت ومازالت محور الخلاف بين حزبي المؤتمر والإصلاح في اليمن.

أما في السودان فأن الحكومة أقفلت كليات بكاملها في الجامعة وأرسلت طلابها إلى الثكنات والمخافر على الحدود لمواجهة التهديدات التي يتعرض لها الامن القومي . والاختلاط وارتداء النقاب في الجامعة هما إحدى القضايا البارزة التي شغلت، ولا تزال، مجلس الأمة كما الرأي العام في الكويت، بينما في دول كثيرة في العالمين العربي والإسلامي فإن التدريب العسكري هو مادة إلزامية على جميع الطلاب بداية من المرحلة الإعدادية.
إن المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم تتحول إلى خط دفاع أول عن الأمن القومي.
والأمر نفسة يحدث في الغرب، وإن اختلف الموضوع.
اليابان أنهت استعداداتها للانتقال بطلابها من عصر التعليم إلى عصر المعلومات مع بداية العام 2000م.
طلاب سنغافورة حققوا المرتبة الأولى في مادتي الرياضيات والعلوم في دراسة شملت 41 دولة. جمهورية التشيك جاءت في المرتبة السادسة في الرياضيات، إسرائيل احتلت المرتبة الحادية والعشرين. وأمريكا جاءت في المرتبة الثامنة والعشرين، إيران في المرتيبة الثامنة والثلاثين، ووحدها الكويت من بين الدول العربية التي ظهر اسمها في القائمة وجاءت في المركز التاسع والثلاثين في الرياضيات كما هو في العلوم.
تقول مجلة "إيكونوميست" البريطانية إن التعليم هو ثروة الامم وان المؤسسات هي ساحات المعارك للقرن المقبل، بينما يؤكد البروفيسور الأمريكي دانيال سافران أن مسألة التعليم لا يمكن فصلها عن الامن القومي. إن المدرسة هي مخفر الحدود والجامعة هي الثكنة. يقول أيضا ما يميز العالم الصناعي عن العالم الثالث هو ان الاول ينفق على التعليم والابحاث اضعاف ما ينفق على الجيوش والسلاح، بينما في العالم الثالث فان ما يحدث هو العكس تماما. اذن، فان وزراء التربية والتعليم وليس وزراء الدفاع هم حماة خط الدفاع الاول عن الامن القومي في القرن المقبل.
ملامح العصر المقبل
هل يمكن استثناء التعليم وعزله عن عصر العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات؟ السؤال نظري، ولكن مؤسسة "تايم" حاولت طرح إجابة عملية. فقامت بدراسة صدرت نتائجها أخيراً وأحدثت ردود فعل واسعة، وخصصت لها مجلة "الايكونوميست" البريطانية مقالا، واستاثرت باهتمام الاوساط الاكاديمية بشكل خاص في الغرب كما في كتلة النمور الآسيوية.
الدراسة اعتمدت على مسابقة في مادتي الرياضيات والعلوم أجريت على تلاميذ يبلغ الواحد منهم الثالثة عشرة من عمره، وشملت 41 دولة، وهي اول مسابقة من هذا النوع ، ومع ان واضعي الدراسة لا يزعمون انها تقدم نتائج نهائية، فانها تطرح على الباحثين والاكاديمين مادة خصبة تحمل مؤشرات ودلالات مهمة عن ملامح العصر المقبل.
خزائن متنقلة
المنافسة هي ما يحكم القرن المقبل وهده المنافسة لم تعد كما في السابق محلية، بل هي مفتوحة على العالم كله ، والمعلومات هي مجال هذه المنافسة، من يملك المعلومة ويعرف كيف يستخدمها هو الاقدر على المنافسة، ولان العلوم والرياضيات هما اساس العلم الحديث ومخترعات العصر وخزانة معلوماته فان الدول تنافس في تحويل ابنائها عبر مؤسسات التعليم والابحاث، الى خزائن متنقلة للمعلومات.
هذا هو الاساس الذي قامت عليه الدراسة، ولعل ابرز ما كشفت عنه ليس تخلف الطلاب في الولايات المتحدة عن نظرائهم في روسيا وتشيكا وسلوفينيا فحسب. بل كشفت ايضا ان سويسرا التي تنفق على كل تلميذ فيها سنويا معدلا وسيطا يصل الى 7 الاف دولار تاتي في المرتبة 25 في العلوم بينما كوريا الجنوبية التي تنفق اقل من الفي دولار على التلميذ تحتل المرتبة الثانية في العلوم كما في الرياضيات، اما هنغاريا التي لا يزيد انفاقها على التلميذ اكثر من الف دولار سنويا فقد احتلت المرتبة التاسعة في العلوم.
اي ان الانفاق على التلميذ بوفرة لا يعني انه ينال تعليما افضل بالضرورة. وكذلك كشفت الدراسة عن نتيجة اخرى وهي ان عدد الساعات المخصصة لمادتي العلوم والرياضيات لا يعني بالضرورة انه كلما زاد عدد هذه الساعات ارتفع نصيب التلميذ من المعرفة. فالتلميذ في هولندا يدرس في السنه حوالي 105 ساعات رياضيات واحتل المرتبة التاسعة، بينما التلميذ في نيوزيلندا يدرس 140 ساعة سنويا ومع ذلك جاء في المرتبة الرابعة والعشرين. وكذلك تكشف الدراسة ان عدد التلاميذ في الصف الواحد او توزيعهم الى فرق - على الطريقة الامريكية. لا يلعب دورا مؤثرا، وبالتالي تستنتج ان المنهج وطريقة التعليم هي ما يصنع الفرق الكبير بين تلميذ وآخر.
تجديد المناهج هو ما يجعل العامل التشيكي او الالسنغافوري او الكوري الجنوبي هو الاكثر مؤهلات من زميلة الامريكي او البريطاني او الالماني وبالتالي الاكثر قدرة على الحصول على وظائف العصر المقبل.
الخريجون العرب وسوق العمل
هل تملك جامعاتنا القدرة على المنافسة في عصر الولمة. وكم يبلغ عدد الخريجين القادرين على منافسة زملائهم في سوق العمل العالمية للحصول على الوظائف، واذا كان المال لا يعرف وطنا ولا جنسية ويبحث عن العامل الاكثر كفاءة وانتاجا والارخص سعرا، فما هو حظ الاجيال المقبلة من الخريجين العرب في البقاء داخل سوق العمل الذي يتجه يوما بعد يوم للاعتماد على لغة عالمية، كما يلاحظ في معظم دول الخليج العربي حاليا، وكذلك في قطاعات صناعية متقدمة في دول عربية اخرى؟
الاجابة عن هذا الاسئلة تسير حاليا في اتجتهين، الاول هو انتشار التعليم الخاص من المدرسة الى الجامعة. وهذا القطاع الخاص، يكاد في دول مثل لبنان، يستحوذ على ثلاثة اضعاف المبالغ التي تنفقها الحكومة على التعليم الرسمي. والسبب واضح وهو قناعة قطاعات واسعة من الناس ان التعليم الرسمي بات "متخلفا" وان القطاع الخاص اكثر قدرة على لاتطيف والملاءمة وبالتالي المنافسة بما يضمن للخريج فرصا اكبر في الحصول على عمل او وظيفة وهذه الثقة المطلقة بالقطاع الخاص في التعليم تكتسب قوة الاسطورة، خاصة في دول الخليج العربي. حيث القطاع الرسمي يتمتع بمستوى من الكفاءة و الخبرة تكاد تكون فوق الشبهات، ومع ذلك فان المدارس ومثلها الكليات والجامعات الخاصة هي اكثر الاسوق نمواً.. ارباحا.
الاتجاة الثاني، تبدو بعض ملامحه في دول مثل الامارات والكويت، اذ تشهد جامعتا هاتين الدولتين سباقا سنويا مع العولمة، احد مظاهره هو ان اعضاء حاليين وسابقين في "المؤسسة الامريكية للتقويم الجامعي" - وهي احدى المؤسسات المعتمدة لمنح بطاقات "اعتماد" معترف بها للجامعات في الولايات المتحدة - يقومون بجولات في الجامعتين، يناقشون المناهج وطرق التعليم، ويعملون كمستشارين يقومون بتقديم "النصيحة" الى المسئولين في كل من الجامعتين باتجاه الوصول الى مستوى الجامعات المعترف بها في الولايات النتحدة. ولعل خطوات من هذا النوع بداية الاستجابة للتحديات التي تطرحها العولمة.
المدارس.. ومزارع البطاطا
ولكن هل يمكن تخصيص التعليم ما دام القطاع الخاص في كل انحاء العالم اثبت انه الاقدر على المنافسة؟
السؤال طرح في مناسبتين، الاولى في ولاية ميريلاند في الولايات المتحدة، فقد اكتشفت الولاية ان طلابها يتمتعون باكثر مستويات التعليم انخفاضا مقارنة بالولايات الاخرى، وخاصة ولاية فيرجينيا المجاورة، كما ان نسبة التسرب قبل نهاية المرحلة الثانوية هي الاعلى في ميريلاند، مقارنة مع ولايات اخرى، اما القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، فهي ان دلفعي الضرائب في الولايات اكتشفوا انهم ينفقون على التلميذ الواحد سنويا 7 الاف دولار، وهو الاعلى بين الولايات، وهنا ارتفعت الصرخة: لماذا لا تقوم الولاية بتسليم قطاع التعليم الى شركة خاصة تتولى هي عملية تعليم طلاب الولاية، مع ضرورة التقيد بمواصفات خاصة تضعها مجالس التعليم والاباء في الولاية، ويتابع جهاز مراقبة تنفيذ هذه المواصفات؟ السؤال واجه معارضة عنيفة من الطرفين الاساسين في عملية التعليم: المدرسين ومجالس اهالي الطلاب، والسؤال الذي تم طرحه هو: إن الشركة الخاصة سوف تسعى الى تحقيق الأرباح ، فهل يمكن ان تجعل مصير اولادنا يتوقف على مدى ما تستطيع هذه الشركة تحقيقة من ارباح؟ صحيح اننا نرسل اولادنا الى مدارس خاصة، ولكن وجود المدارس الخاصة وتعددها يضمن استمرار عوامل المنافسة فيما بينها، وبالتالي فان مؤسسات التعليم الخاصة سوف تواصل محاولة رفع مستوى طلابها لتكون قادرة على المنافسة، اما في حال تسليم شركة واحدة لكل قطاع التعليم، فان الاحتكار سوف يلغي مبدا المنافسة، وبالتالي يصبح الحصول على اكبر ربح ممكن هو هدف هذه الشركة ، وبالطبع فان المدرسين طرحوا سؤالا اساسيا لآخر: هل تبقى للمعلم رسالة في مزرعة خاصة تتعامل مع الطلاب كما يتعامل مع موسم البطاطا؟
التعليم ليس كوكاكولا
المناسبة الثانية التي تم طرح السؤال فيها هي ندوة عقدت في صحيفة "البيان" الصادرة في دولة الامارات، فقد استضافت الصحيفة خبير التربية العالمى البروفيسور الامريكي دانيال سافران. الذي اكد هلى الشراكة بين البيت والمدرسة في عملية التعليم، وقال: ان مشاركة الاهل في هذه العملية تكرس قيم الديموقراطية، لان الديمقراطية في نهاية المطاف ليست شيئاً تمتلكه ولكنها شيء تمارسه.


وعندما يلعب الاهل دورهم في تقرير ما يحتاج اليه ابناؤهم ليكونوا رجال المستقبل فانهم يمارسون الديمقراطية ميدانيا، وهذه عملية لا تعود فائدتها على الطلاب وحدهم بل على الاهل وعلى المجتمع ككل.
وسألت البوفيسور سافران: لماذا لا تكون التربية والتعليم نوعا من الخدمة، مثل المواصلات والكهرباء والمياه ة والاتصالات، وبالتالي، يمكن خصخصتها وتسليمها لشركات ومؤسسات خاصة، كما الحال مع باقي الخدمات؟ واستشهدت بما قاله المفكر الاقتصادي الامريكي ليستر ثرو من امريكا نجحت في غزو العلم لانها تعرض ثقافة للبيع من افلام هوليوود الى منتجات الكمبيوتر وصولا الى الكاكاكولا. ورد البروفيسور الامريكي بحسم: التعليم ليس كوكاكولا
التعليم هو مسئولية المجتمع مسئولية المجتمع كله والامة باسرها. مستقبل الدول يتقرر اليوم في الجامعات وساحات المدارس وليس في اي مكان آخر..
اضاف البرفيسو الامريكي: لا يمكن الفصل بين التعليم وبين الامن القومي للدول، وبالتلاكيد ليس المرتزقة هم الاصلح للدفاع عن هذه الدول

المشاركة على واتساب متوفرة فقط في الهواتف