المشي أثناء النوم

مواضيع مفضلة

المشي أثناء النوم



المشي أثناء النوم حالة نادرة تلاحظ لدى بعض الأولاد والفتيات، ولابد من معرفة جذورها حتى لا تنتهي إلى التهويل الخرافي أو التهوين الضار.

هناك كثير من الظواهر السلوكية الغريبة والخارقة للطبيعة والتي تثير الدهشة والتعجب أمام كثير من الناس. من هذه الظواهر ظاهرة المشي أثناء النوم. والحقيقة أنها مجرد عرض عادي من أعراض مرض نفسي أي عصاب نفسي هو الهستيريا، والتي تتضمن كثيرا من الأعراض إلى جانب المشي أثناء النوم، من ذلك فقدان الذاكرة والتوهان أو التجوال وتعدد الشخصية والشلل الهستيري والصمم الهستيري ونوبات البكاء والصراخ والخرس أو فقدان القدرة على الكلام والعرج، ومعظمها أعراض وظيفية بمعنى أن العضو المسئول عن السلوك يكون سليما بينما يصيب العطب وظيفته. ففي العمى أو الشلل الهستيري تكون أعضاء الجسم والمخ والجهاز العصبي سليمة.
عدم النضج الانفعالي
من أنماط السلوك الإنساني الغريبة التي تحتاج إلى تفسير علمي ظاهرة المشي أثناء النوم Sleep Waking التي يطلق عليها اصطلاحا "بمعنى المشي أثناء نوم الفرد"، وقد يصاحب هذا المشي قيام المريض ببعض الأنشطة المعقدة وهو في حالة تشبه حالات النوم ولكن المريض عندما يستيقظ من نومه لا يتذكر أيا من هذه الأنشطة التي قام بها أثناء النوم بل قد يشعر بالحرج. ولكن في الحالات المزمنة من المشي أثناء النوم قد يتذكر المريض ما قام به من أنشطة.
يقول العالم النفساني سترانج في شرح هذه الحالة النفسية إنها تصاحب الهستيريا العصابية أي المرض النفسي المسمى بالهستيريا.
ومعروف أن الهستيريا عصاب نفسي وظيفي أي مرض نفسي وظيفي يكثر انتشاره بين النساء.
وعلى كل حال قد تتوقف هذه الأعراض بعد مرحلة المراهقة. ومع أن هذه الحالة تتولاها أيدي الكتاب والروائيين فإنها لم تزد على كونها اضطرابا بسيطا في الشخصية. وهنا نتساءل عن نوعية الشخصية التي يحتمل أن تصاب بالمشي أثناء النوم؟ هذه الشخصيات يغلب عليها عدم النضج الانفعالي أو النفسي، مع وجود نزعة قوية للقابلية للإيحاء أو التأثر الكبير بالإيحاء أو بما يوحى إليهم من أفكار أو سلوكيات.
وتلك سمة عامة تميز مرضى الهستيريا، وفي نفس الوقت تساعد في علاجهم من أعراضهم. ويمتازون بوجود نظرة متمركزة حول الذات في حياتهم بمعنى أن اهتماماتهم تكون منعكسة أو مرتدة على ذواتهم أكثر من اتجاهها نحو العالم الخارجي.. عالم الأشياء والأحداث والناس. والشخص المتمركز حول ذاته قد يكون منطويا وقد يكون أنانيا.
وقد يصاب المراهق أو المراهقة بعرض المشي أثناء النوم، ولكنه إذا استطاع أن يحل صراعاته وإحباطاته أو مشاعره بالإحباط ـ كالحرمان من الحب والعاطفة أو الحرمان من الإشباع المادي ـ فإنه يشفى. أما الذين لا يتمكنون من حل صراعاتهم، فإنهم يستمرون في المعاناة من حالات الهستيريا وأعراضها ومن بينها المشي أثناء النوم.
إن المريض يستيقظ أثناء النوم، وتصبح عيناه نصف مفتوحة، ثم يبدأ في المشي أو التجوال. أما عن نوعية هذه المناشط التي يقوم بها فإنها ذات طبيعة رمزية Symbolic بمعنى أنها ترمز إلى صراعاته وتوتراته ومشاكله وعقده النفسية. وبالنسبة لمن هم في مرحلة المراهقة، فإن هذه الأمور تدور حول الجنس ولوم الذات.
هذه الحالة، أي المشي أثناء النوم، تدور حولها القصص الدرامية السينمائية والمسرحية، ولكن الواقع العلمي أن المصاب لا يؤذي نفسه إذا تم إيقاظه، ولكنه قد يتعرض للخطر، وهو عرض لا يزيد على كونه حالة من المشي أثناء النوم. وواضح أن هذه الأعراض من الخطورة بحيث تتطلب المعالجة النفسية لإزالة أسباب التوتر، ذلك لأن المريض قد يستيقظ ثم يأخذ في الخروج من غرفته، ويصعد فوق العمارة ويمشي فوق سورها وهي ذات ارتفاع كبير. ويعبر هذا العرض ـ أي المشي أثناء النوم ـ عن التفكك في الشخصية أو انحلالها أو تحللها. وقد يصاب بهذا العرض مرضى الصرع. وإن كان الصرع مرضا عضوي المنشأ. ويشبه هذا العرض عرضا آخر من أعراض مرض الهستيريا وهو التوهان Fugue المصاحب لحالة فقدان الذاكرة. وفي واقع الحال فإن المريض لا يكون في حالة نوم تام وإنما يكون في حالة نعاس أو نوم خفيف أو في حالة تشبه النوم كما لو كان خاضعا لحالة من التنويم المغناطيسي.
في شرح المشي أثناء النوم يقول الدكتور عبدالمنعم الحفني أستاذ علم نفس الطفولة إن التجوال النومي عبارة عن استجابة انفصالية عصابية، بمعنى أنها أحد أعراض الهستيريا التفككية أو التحليلة، حيث يقوم الشخص النائم من نومه ويمشي وهو فاتح عينيه أو مغمضهما نصف إغماضة. والغريب في أمره أنه رغم كونه نائما فإنه يتجنب العوائق والحواجز فلا يصطدم بها، وهو في نفس الوقت يستمع إذا حدثه أحد أو ألقى عليه أمرا ما، ولذلك إذا طلبنا منه أن يعود إلى فراشه وينام، فإنه يفعل ذلك، وإذا هزه أحد فإنه يستيقظ. ولكنه ينسى هذه الخبرة، ولا يستطيع استرجاعها بعد الاستيقاظ، وقد يشعر بالخجل أو الدهشة إذا علم بذلك. وقد يقوم بحركات طقوسية أثناء النوبة، ويبدو أن هناك أهدافا يسعى لتحقيقها بالطبع على مستوى اللاشعور.
ويقول بعض العلماء إن وظيفة المشي أثناء النوم مثلها مثل وظيفة الأحلام عبارة عن التنفيس أو التعبير عن الرغبات المكبوتة أو التفريغ أو الفضفضة أو التطهير الانفعالي كالرغبة الجنسية المكبوتة أي التي لم تتحقق في عالم اليقظة. وبالنسبة للوقت الذي يحدث فيه المشي، فإنه يحدث في الثلث الأول من الليل. وبينما يكون الحلم عبارة عن سلسلة من الصور الذهنية التي تمثل الأصوات والصور الحسية، فإن المشي أثناء النوم يتضمن القيام بالحركات الفعلية والتجوال الفعلي. ويكرر المريض نفس الحركات التي يقوم بها في العادة، فيسير في نفس الطريق في كل ليلة تحدث فيها النوبة. وقد يقوم بأعمال مركبة، كأن يهبط السلم ويخرج من منزله ويقود سيارته ثم يعود أدراجه، وقد يعزف على البيانو أو يطهو الطعام. ويقال انه يمتلك في أثناء النوبة قدرات خارقة تزيد على قدراته الفعلية، ولكن هذا غير صحيح، فإنه لا يستطيع أن يقوم بالأعمال التي لم يتعلمها في عالم اليقظة. ومن أخطار هذه الأعراض أنه قد يصعد ويسير فوق أفريز المنزل، وقد يؤذي نفسه.
أما عن الأسباب التي قد تؤدي إلى الإصابة بمرض المشي أثناء النوم فمنها شعور المريض بأنه مهمل، ولذلك يسعى إلى لفت الانتباه إليه، وقيل إن هذه الحالة ترجع الى وجود أفكار لا تجد الفرصة للتعبير عن نفسها في شكل شعوري، فتسيطر على النائم أثناء النوم وتكرهه على القيام بها، كأن يقوم الطفل ويقتحم غرفة نوم أمه وأبيه إذا كان يشعر بالغيرة من والده وفقا لما تدعيه عقدة "أوديب" أي تعلق الطفل الذكر عاطفيا بأمه والرغبة في إقصاء الأب عن المنافسة. ولذلك يشعر بالارتياح ثم يعود ليستكمل نومه ثانية. وهذا العرض يصيب جميع الأعمار، ولكن يكثر انتشاره بين الذكور أكثر من الإناث، وخاصة في سن المراهقة. فهذه الحالة عبارة عن تعبير حركي عن المشاعر والرغبات المكبوتة وللتعبير عن التوتر والصراع.
أما عن السمات المميزة لمريض المشي أثناء النوم، فهي صفات الشخص المصاب بعصاب الهستيريا، وهي عدم النضج الانفعالي وشدة القابلية للاستهواء أو للإيحاء ويسعى طلبا للاستحسان ويمتاز بالقلق وفقدان الشعور بالأمان.
هذه هي مجمل أعراض المشي أثناء النوم والأسباب التي قد تدفع إليها. أما العلاج فيمكن عن طريق استخدام المناهج العلاجية المعروفة، وخاصة العلاج عن طريق التحليل النفسي، وخضوع المريض لجلسات من العلاج النفسي التحليلي، حيث يتم تشخيص حالة المريض والتعرف على كم وكيف هذا المرض، ثم تعقد جلسات العمق أو المعالجة التحليلية، وفيها يتم سبر أغوار الحالة والتعرف على خبرات المريض السابقة، وتجاربه في الطفولة والمراهقة، وظروفه الأسرية وتاريخه المرضي والعائلي والكشف عن صراعاته الداخلية وتوتراته وعقده، ومدى ما تعرض له من الحرمان أو الصدمات أو الإهمال أو النبذ أو التعرض لمشاعر الغيرة، وتتاح له فرصة التطهير الانفعالي أو التصريف أو التفريغ الانفعالي للانفعالات والمشاعر الحبيسة أو الدفينة أو المنسية أي المكبوتة وبعد أن تخرج سافرة في العلن يتم التعامل معها عن طريق المحلل النفسي وباستخدام منهج التداعي الحر، وهكذا حتى يتم الشفاء نهائيا والتخلص من هذا العرض

المشاركة على واتساب متوفرة فقط في الهواتف